سيد محمد طنطاوي

116

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

البنين في زعمهم ؟ كلا إن اللَّه - تعالى - لم : يفعل شيئا من ذلك لأنه - سبحانه - غنى عن العالمين . * ( ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * أي : أي شيء حدث لكم ، وكيف أصدرتم هذه الأحكام الظاهرة البطلان عند كل من كان عنده أثر من عقل . وقوله : * ( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) * . معطوف على كلام محذوف والتقدير : أتجهلون هذه الأمور الواضحة ، فلا تعقلون ولا تتذكرون ولا تعتبرون . وقوله - تعالى - : * ( أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ . فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * إضراب وانتقال من توبيخهم على جهالاتهم ، إلى تحديهم وإثبات كذبهم . أي : بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا القول الذي قلتموه من أن الملائكة بنات اللَّه ؟ إن كانت عندكم هذه الحجة فأتوا بها إن كنتم صادقين فيما زعمتم . فالمقصود بالآيتين الكريمتين تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم وأكاذيبهم . ثم حكى - سبحانه - زعما آخر من زعمهم في شأن الملائكة فقال : * ( وجَعَلُوا بَيْنَه وبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ، ولَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) * . والمراد بالجنة هنا : الملائكة . سمو بذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين . أي : أن المشركين لم يكتفوا بما قالوا في الآيات السابقة ، بل أضافوا إلى ذلك جريمة أخرى ، وهي أنهم جعلوا بين اللَّه - تعالى - وبين الملائكة نسبا ، ولقد علمت الجنة ، - أي الملائكة - ، « إنهم » أي القائلون لهذه المقالة الباطلة « لمحضرون » أي : إلى العذاب يوم القيامة . ليذوقوا سوء عاقبة كذبهم . قال القرطبي : أكثر أهل التفسير أن الجنة هاهنا الملائكة . عن مجاهد قال : قالوا - يعنى كفار قريش - الملائكة بنات اللَّه ، فقال لهم أبو بكر : فمن أمهاتهن ؟ قالوا : مخدرات الجن . . . ومعنى « نسبا » : مصاهرة . وقال قتادة : قالت اليهود إن اللَّه صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهن . وقال الحسن : أشركوا الشيطان في عبادة اللَّه ، فهو النسب الذي جعلوه « 1 » . ثم نزه - سبحانه - ذاته عما افتروه فقال : * ( سُبْحانَ اللَّه عَمَّا يَصِفُونَ ) * أي : تنزه اللَّه - تعالى - وتقدس عما يقوله هؤلاء الجاهلون .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 134 .